حسن ابراهيم حسن
169
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
عليها سلطانه إن كان من محبي السلطة والحكم ، أو ليفيض عليها من فضل اللّه الذي عمر الجزيرة وملأها عدلا وأمنا ودعة وحبا ؟ لو قيل إن الإسكندر المقدوني كان يعمل على تكوين إمبراطورية تشمل العالم القديم كله ، وتجعله يلتف حول هذا الشاب الإغريقى ، لصدقنا . ولو قيل إن نابليون كان يعمل على تكوين إمبراطورية تشمل العالمين القديم والجديد ليجلس على عرشها الفتى الطليانى ، لصدقنا . أما إذا قيل إن محمد بن عبد اللّه فكر في أن يدعو خلق اللّه المتاخمين لجزيرة العرب والمتصلين بقريش - اتصالا تعيش عليه قريش وينبنى على أساسه كل شئ في البيئة القرشية - فذلك أمر يعز على البحث النزيه والعقل الحر أن يقبله ، إلا أن يكون تفكير ذلك النبي في هذا الأمر تفكيرا على نحو غامض . وأما القول بأن هذا الدين « لم يهيأ إلا لبلاد العرب » ، فإن ذلك لن يمنع محمدا من التفكير في تعميم دينه ، لأن هذا التفكير ، سواء تحقق أو لم يتحقق ، إنما يعتمد على اعتقاده أن دينه صالح لذلك . وقد ثبت في القرآن أنه كان يعتقد أن الإسلام قد هيء لكل حالة ، وأن القرآن قد تكفل بتبيان كل شئ إذ يقول اللّه تعالى لرسوله في غير آية : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( سورة النحل 16 : 89 ) ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ( سورة الأنعام 6 : 38 ) . ويؤيد دعوى عموم الرسالة بالجنس البشرى قول محمد متنبئا أن بلالا « أول ثمار الحبشة » وأن صهيبا « أول ثمار الروم » . وكذلك ما قاله عن سلمان الذي كان أول من أسلم من الفرس ، وكان عبدا نصرانيا بالمدينة ، اعتنق هذا الدين الجديد في السنة الأولى من الهجرة ، وهكذا صرح الرسول في وضوح وجلاء أن الإسلام ليس مقصورا على الجنس العربي قبل أن يدور بخلد العرب أي شئ يتعلق بحياة الفتح والغزو بزمن طويل ؛ يؤيد ذلك ما ورد في القرآن الكريم في هذه الآيات البينات : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( سورة يونس 10 : 19 ) .